Egyptian Obelisk in Paris

استبدال مسلة الأقصر بساعة ميكانيكية فرنسية –

وفي عام 1830، أصدر محمد علي باشا والي مصر قرارًا بإهداء مسلتي معبد الأقصر التوأم لفرنسا.

كان الهدف من هذه البادرة ترسيخ التحالف الاستراتيجي بين البلدين – وهي شراكة اعتبرها علي ضرورية لرؤيته الطموحة لدفع مصر من جذورها في العصور الوسطى إلى العصر الحديث للتصنيع والتعليم الشامل.

ومن الغريب أن العالم الفرنسي الشاب جان فرانسوا شامبليون – المشهور بفك رموز حجر رشيد – هو الذي اختار الهدية بنفسه. وبفضل اختراقه، وجدت آثار الفراعنة الصامتة صوتها أخيرًا، وكشفت النقاب عن أسرار الماضي المجيد التي ظلت تحت الحراسة لفترة طويلة.

قبلت فرنسا الهدية، ووافقت على شرط الباشا العملي: أن تتحمل الحكومة الفرنسية تكلفة النقل كاملة.

ونتيجة لذلك، تم إرسال فريق من نخبة المهندسين في فرنسا لوضع خطة النقل، ليجدوا أنفسهم يواجهون تحديًا ذا أبعاد هائلة.

كانت كل مسلة، محفورة من كتلة واحدة من الجرانيت الوردي، تزن حوالي 220 طنًا – وهي هياكل ضخمة أقامها في الأصل بناة رمسيس الثاني الرئيسيين لتحيط بالمدخل الموسع حديثًا لمعبد الأقصر.

وبعد حسابات دقيقة، أدرك المهندسون أن الخدمات اللوجستية لنقل كلا المنصتين ستكون باهظة التكلفة، مما يهدد بإفلاس المشروع وإجبار على رفض هدية مصر التي لا تقدر بثمن.

في النهاية، اقترحوا حلاً وسطًا: نقل مسلة واحدة فقط إلى باريس، وترك توأمها في مكانها، ومن المفترض أن يتم استعادتها في وقت لاحق.

لتسهيل هذه المهمة الضخمة، تم تكليف سفينة مسطحة القاع مصممة خصيصًا تسمى الأقصر للإبحار في المياه الضحلة لنهر النيل والبحر الأبيض المتوسط ​​المفتوح.

تم حفر قناة من ضفة النهر إلى سفح المسلة للوصول إلى النصب التذكاري، الذي ظل قائما دون عائق لأكثر من ثلاثة آلاف سنة.

وبمجرد إنزالها من قاعدتها القديمة، تم تحميل قطعة الجرانيت المتراصة على السفينة في انتظار الفيضان الموسمي لنهر النيل. عندها فقط يمكن تعويم السفينة وتوجيهها شمالًا باتجاه البحر.

لقد كانت رحلة شاقة، تطلبت من السفينة أن تبحر حول شبه الجزيرة الإسبانية قبل صعود نهر السين باتجاه باريس. منذ الإنزال الأولي في مصر وحتى الوصول إلى فرنسا، امتدت العملية برمتها إلى عامين مرهقين، من عام 1831 إلى عام 1833.

اختار الملك لويس فيليب ساحة الكونكورد لتكون مثوى المسلة الأخير، وهو قرار مليء بالرمزية السياسية. كان هدفه تطهير الميدان من ارتباطاته القاتمة بالثورة الفرنسية، لأن المقصلة هنا أودت بحياة العديد من الأشخاص، أبرزهم حياة الملكة ماري أنطوانيت.

يظل يوم 25 أكتوبر 1836 تاريخًا بارزًا في التاريخ الفرنسي الحديث؛ كان ذلك اليوم الذي تم فيه رفع المسلة بنجاح في قلب الساحة.

وقد قوبل هذا الحدث باحتفالات مبتهجة استمرت لعدة أيام، إيذانا بفصل منتصر في التاريخ الثقافي لكلا البلدين.

واللافت أن الحكومة الفرنسية احتفظت بالحق القانوني في المطالبة بالمسلة الثانية من معبد الأقصر منذ أكثر من قرن ونصف، بموجب المرسوم الأصلي الذي وقعه علي باشا. وظل هذا الاستحقاق ساري المفعول حتى عام 1981، عندما طلبت الحكومة المصرية رسميًا من فرنسا التنازل عن مطالبتها بالنصف المتبقي من الهدية.

وفي بادرة حسن النية الدبلوماسية، تخلى الرئيس فرانسوا ميتران رسميًا عن هذا الحق، مما يضمن بقاء أحد التمثالين التوأمين لرمسيس الثاني في موطن أجداده قبل معبد الأقصر.

في السنوات الأخيرة، خضعت مسلة باريس لتحسينات جمالية ووظيفية كبيرة. وعلى وجه الخصوص، في عام 1998، قامت فرنسا بتزيين قمة النصب التذكاري بهرم مغطى بالذهب (حجر قمة صغير)، لاستعادة تألق الشمس التقليدي الذي أراده المبدعون القدامى. علاوة على ذلك، تم دمج ساعة شمسية متطورة في رصيف ساحة الكونكورد؛ واليوم، أصبحت المسلة نفسها بمثابة عقرب الساعة، حيث يشير ظلها الكاسح إلى مرور الوقت عبر الساحة التاريخية.

وتقديرًا لكرمه الباذخ، ردت الحكومة الفرنسية بالمثل بإهداء محمد علي ساعة ميكانيكية ضخمة. تم تركيب هذه الساعة داخل قلعة صلاح الدين الأيوبي، حيث لا تزال موجودة حتى يومنا هذا.

وبطبيعة الحال، لم تكن مسلة الأقصر هي الكنز الفرعوني الوحيد الذي خرج من مصر خلال هذا العصر؛ وفي عهد محمد علي وخلفائه، تم إرسال آلاف القطع الأثرية إلى الخارج، إما كهدايا دبلوماسية أو من خلال المبيعات التجارية.

والجدير بالذكر أن هذه الصناديق تضمنت عشرين صندوقًا ضخمًا مليئًا بالآثار المقدمة إلى شامبليون نفسه.

كثيرًا ما يطاردني سؤال متكرر: لو كان رمسيس الثاني -الملك الذي أمر ببناء تلك المسلات- توقع أن يتم نقل المرء آلاف الأميال من موطنه، فهل كان سيأمر باستخراجها من محاجر أسوان؟ أظن أن الفرعون كان سيتردد ألف مرة.

ربما هي نعمة أن أسلافنا لم يتمكنوا من التنبؤ بالمستقبل؛ وإلا لكانوا قد أعادوا النظر في الكدح الهائل الذي استثمروه في بناء مثل هذه الحضارة الدائمة. اليوم، الطريقة الوحيدة لتكريم تراث الفراعنة العظماء حقًا هي أن نبقى ثابتين في التزامنا بالتراث: يجب ألا نتنازل أبدًا عن مطالبتنا بأي قطعة أثرية نُهبت أو أُخذت بشكل غير مشروع من ترابنا.

Author

  • Ali Hussain

    Ali Hussain is an award-winning news reporter with over a decade of experience covering breaking news, politics, and human-interest stories. Known for insightful reporting and engaging storytelling, Ali has worked for both national networks and local news stations, earning recognition for integrity and in-depth investigative journalism. Passionate about informing the public, Ali thrives on delivering clear, impactful news coverage that resonates with diverse audiences.

More From Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *