إن الفضيحة التي تورط فيها الملياردير الأمريكي جيفري إبستاين شملت ما هو أكثر من مجرد الاتجار بالجنس واستغلال القُصَّر، فقد كشفت عن شبكة ابتزاز ضخمة تضم شخصيات على أعلى مستويات السلطة والسياسة والثروة.
وكان رد الفعل الشعبي العربي على الفضيحة جماعياً إلى حد كبير: “لقد أخبرتكم بذلك”.
ويُنظَر إليه باعتباره تأكيداً على الانحطاط الأخلاقي والاجتماعي والسياسي للغرب الذي كثيراً ما يلقي محاضرات على العالم حول الحرية، وحقوق الإنسان، وحماية الأقليات، في حين ينحدر كل ذلك إلى أسوأ أشكال الاستغلال والفساد والانحلال الأخلاقي المنهجي.
باختصار، عززت الفضيحة الاعتقاد السائد بأن الغرب عانى من انهيار أخلاقي كامل، فتخلى عن قيم الشرف والنزاهة.
ولسنا هنا لمناقشة صحة هذا التصور؛ وذلك للباحثين والأكاديميين. ولكن يبقى السؤال الملح: أين نحن كعرب من كل هذا؟ كشفت ملفات ومراسلات إبستاين عن وجود عربي كبير.
وتذكر الوثائق رجال أعمال ومسؤولين وشخصيات بارزة عرب، وكشفت عن تنسيق للقاءات بين إبستين وشخصيات سياسية عربية مؤثرة.
امتدت هذه العلاقات إلى المجالات المالية والسياسية، بما في ذلك المناقشات حول المشاريع التجارية مثل إصدار العملة الإسلامية. وفي إحدى الحالات، ورد أن سيدة أعمال عربية أرسلت أربع قطع من كسوة الكعبة المشرفة إلى إبستين، ووصفتها في رسائل بأنها أشياء لمسها ملايين المسلمين.
وفي حين لا يوجد دليل قاطع على السلوك غير الأخلاقي، هناك دلائل على وجود رسائل “تجاوزت الخطوط الحمراء” في لهجتها أو في التعليقات التي تم الإدلاء بها بشأن صور الأفراد.
لماذا لم يتم الكشف عن هذه العلاقات ونشرها؟ وقد تكون هناك أسباب تتعلق بحالة الحرية الصحفية وغياب الصحافة الاستقصائية الحقيقية. وقد تحول العقبات القانونية أيضًا دون نشر المراسلات خوفًا من الملاحقة القضائية.
ومع ذلك، فإن العامل الأكثر أهمية هو أن بنية المجتمعات العربية ذاتها لا تشجع على الخوض في مثل هذه الممارسات.
عندما يتورط فرد أو مسؤول في فضيحة أخلاقية أو فساد، فإنه غالبا ما يبحث عن ملجأ في “شبكة القرابة” الخاصة به ــ سواء كانت قبيلة أو عشيرة أو طائفة. وينظر نظام الدعم هذا إلى الهجوم على الفرد باعتباره إهانة لكرامته الجماعية؛ ويُنظر إلى فضح الفساد باعتباره ضربة مستهدفة للمجموعة.
والواقع أن كثيرين ينظرون إلى المسؤول الذي يستغل منصبه لصالح أقاربه باعتباره “شهماً” أو رجل واجب، وليس فاسداً. علاوة على ذلك، نحن نلتزم بثقافة الإخفاء؛ فنحن كثيراً ما ننظر إلى المبلغ عن المخالفات أو مسرب المعلومات باعتباره “واشياً” عازماً على اغتيال الشخصية، وليس مواطناً فاضلاً يحمي الأموال العامة.
يزعم علماء الاجتماع أن هناك تطبيعاً للفساد ــ وإزالة الحساسية تجاهه. فقد أصبح جزءاً متأصلاً من حياتنا اليومية، ويتغذى على قناعة واسعة النطاق بأن الجميع يفعلون ذلك.
ونتيجة لذلك، فقدت الفضائح السياسية والمالية والأخلاقية قدرتها على صدمة الجمهور؛ وانخفض سقف التوقعات الأخلاقية للموظفين العموميين بشكل ملحوظ.
ويضاف إلى ذلك ثقافة اليأس والعبث. في نظر الجمهور، لن يؤدي فضح الفساد إلى تغيير حقيقي. ويستمر الاعتقاد بأن الفرد الفاسد سوف يفلت دائمًا سالمًا.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح الصمت هو الخيار الأكثر أمانا.
إن المجتمعات العربية، مثل بقية دول العالم، لديها إبشتاين الخاص بها الذي ينتهك كل القيم والأعراف. ومع ذلك، فإننا نقيم جدرانًا من العادات السلبية والقيم التي عفا عليها الزمن لحمايتها. هذه الشخصيات الشبيهة بإبستاين – المنخرطة في الفساد السياسي والأخلاقي والمالي – موجودة في العالم العربي، ومع ذلك يظل من الصعب فضحها.
وحتى عندما يتم الكشف عن أحد الأشخاص أو الإطاحة به، فإن ذلك عادة ما يكون نتيجة لصراعات داخلية على السلطة وليس نتاج آليات المساءلة القانونية.
السيرة الذاتية للمؤلف
عبد الله عبد السلام هو مدير التحرير بجريدة الأهرام حيث يكتب عمودا يوميا بعنوان “أفق جديد”.
حصل على بكالوريوس الصحافة من كلية الإعلام جامعة القاهرة (1987).
بدأ مسيرته الصحفية في جريدة الوفد، ثم انتقل إلى وكالة أنباء الشرق الأوسط، قبل أن يستقر في جريدة الأهرام في يونيو 1991. أسس بوابة الأهرام الإلكترونية وشغل منصب رئيس تحريرها من 2010 إلى 2013.
شغل منصب رئيس التحرير التنفيذي لموقع المصري اليوم عام 2013.
عمل سلام أيضًا كمدير تحرير لبوابة العين (الإمارات العربية المتحدة) عام 2016، ومدير تحرير الموقع الإلكتروني لصحيفة “الوطن” (المصرية) عام 2017.
