578534630

رحلة الدولار: بين توقعات السوق والتدفقات المالية –

كان عام 2025 بمثابة اختبار عملي لكيفية تفاعل التوقعات النظرية مع الواقع الفعلي لسوق الصرف الأجنبي المصري – ليس فقط من حيث الفجوة بين الاثنين ولكن أيضًا فيما يتعلق بالتحولات الأساسية في الافتراضات التي تقوم عليها هذه التوقعات بمرور الوقت.

ومنذ بداية العام، تحرك سعر الصرف الرسمي ضمن نطاق مستقر نسبياً.

وفي الوقت نفسه، استمرت العديد من التقديرات في توقع مستويات أعلى بكثير، ضمن نطاق 55 إلى 60 جنيهًا للدولار الأمريكي بحلول نهاية العام، كما هو موضح في العقود الآجلة غير القابلة للتسليم (NDFs) والبيانات الواردة من مراكز البحوث المالية.

وترجع جذور هذا التناقض الواضح إلى نمط تاريخي متكرر في السلسلة الزمنية للدولار، والذي اتسم بفترات ممتدة من الاستقرار والحركة الجانبية، تليها صدمات مفاجئة دفعت الأسعار نحو مستويات أعلى في هيئة قفزات تعويضية.

وفي هذه الحالات، غالبا ما يتقارب السعر الرسمي مع سعر السوق الموازي الذي يظهر خلال فترات ارتفاع الطلب والندرة.

وفي الربع الأول من العام، وعلى الرغم من استقرار السعر الرسمي، أشارت التقديرات إلى مستويات أعلى بناءً على قراءة تاريخية للضغوط الهيكلية وأرقام الصندوق الوطني للتنمية، التي سعرت العملة في نطاق 55-60 جنيهًا.

وتوقعت النماذج المؤسسية والتنبؤات التحليلية، مثل تلك التي قدمتها شركة Fitch Solutions، أسعارًا تتراوح بين 50-55 جنيهًا مصريًا بحلول نهاية العام، بناءً على تحليل متطلبات الاستيراد، وضغوط صرف العملات الأجنبية، والتزامات خدمة الدين الخارجي.

وتبين هذه المرحلة بوضوح أن استقرار الأسعار لفترة طويلة، في غياب تحسن حقيقي في موارد النقد الأجنبي أو ميزان المدفوعات، لا يزيل الاتجاه التصاعدي بل يؤجله فحسب.

يتماشى هذا مع النماذج الأسية المستخدمة لالتقاط الاتجاهات العامة، والتي تتعامل مع فترات السكون كمرحلة مؤقتة.

وفي بداية الربع الثاني، تغير مشهد التوقعات بسبب التحسن المؤقت في التدفقات النقدية – مدفوعًا في المقام الأول بتحويلات المصريين في الخارج – إلى جانب الانخفاض الموسمي في الطلب الفوري على الدولار.

كما لعب استخدام أدوات إدارة السيولة، مثل مقايضات العملات والعقود الآجلة، دورًا أيضًا. خلال هذه المرحلة، اعتمد المحللون على بيانات السيولة الفعلية والمؤشرات قصيرة المدى، مما دفعهم إلى تضييق توقعاتهم.

وتحولت السيناريوهات بعيدا عن احتمال حدوث ارتفاع حاد وشيك، واتجهت بدلا من ذلك نحو تقديرات أكثر اعتدالا دفعت الجدول الزمني لأي تغير كبير في الأسعار في المستقبل.

وبحلول منتصف العام، أدت التدفقات النقدية الهائلة من صفقة رأس الحكمة – التي تم التوقيع عليها قبل عام – إلى حدوث تحول آخر في التوقعات. وجاءت هذه المرحلة مدفوعة بالمراقبة المباشرة للموارد الدولارية الكبيرة وتأثيرها الإيجابي على الاحتياطيات الأجنبية.

أدت هذه الوفرة المؤقتة في السيولة إلى تهدئة السوق وأدت إلى الاختفاء التام للسوق الموازية.

وبالتالي، تحول التركيز نحو المدة التي يمكن أن تحافظ فيها هذه التدفقات على الاستقرار، بدلاً من التنبؤ بالموعد الذي قد تحدث فيه القفزة التالية في الأسعار، خاصة وأن الحكومة أعلنت عن صفقات قادمة مماثلة، مثل مشروع علم الروم.

ومع اقتراب العام من نهايته، ظل سعر الصرف الرسمي ضمن نطاق ضيق، مدعوماً بارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى أكثر من 50 مليار دولار للمرة الأولى منذ سنوات.

وقد تعزز هذا الاستقرار بشكل أكبر من خلال انخفاض التضخم السنوي والتحسن المتواضع في الاستثمار الأجنبي.

واستندت توقعات السوق على المدى القصير في هذه المرحلة إلى بيانات البنك المركزي والمؤشرات المالية في الوقت الحقيقي، والتي أظهرت جميعها زيادة ملموسة بنسبة تتراوح بين 5% إلى 7% في قيمة الجنيه مقابل الدولار على مدار العام.

ومع ذلك، حافظت المؤسسات المالية الدولية الكبرى، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، على توقعات أكثر حذرًا على المدى الطويل، حيث توقعت سعرًا متوازنًا بين 51 و54 جنيهًا للدولار.

وهذا يسلط الضوء على الفجوة بين النظرة على المدى القصير – مدفوعة بتحسن التدفق النقدي – والرؤية على المدى المتوسط ​​إلى الطويل، والتي تشير إلى أن الاستقرار الحالي قد يظل هشا. وتعتقد هذه المؤسسات أن السعر قد يواجه المزيد من التعديلات ما لم يتم استبدال الدعم المؤقت بتحسينات هيكلية دائمة في ميزان المدفوعات.

وهذا يسلط الضوء على الفارق بين النظر إلى أحداث عام 2025 باعتبارها حادثة معزولة أو كجزء من اتجاه طويل المدى. ولا يتغير سعر الصرف طويل الأجل بشكل كبير على مدى بضعة أشهر، لأنه يعكس اختلالات هيكلية متراكمة.

ومع ذلك، فإن توقيت وصولنا إلى هذا المعدل يتأثر بعوامل مؤقتة، مثل التدفقات النقدية غير العادية، أو التحسينات القصيرة في السيولة، أو الانخفاض الموسمي في الطلب.

إن الإجابة على سؤال ما إذا كان الاستقرار المؤقت من الممكن أن يتحول إلى استقرار دائم تكمن في الإصلاحات العميقة للاقتصاد الحقيقي، وليس في سوق الصرف أو القرارات النقدية وحدها.

ويرتكز هذا الإصلاح على ثلاث ركائز رئيسية: إعادة هيكلة قاعدة الإنتاج الوطني لتصبح أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة على المستوى الدولي ــ وبالتالي الحد من الاعتماد على الواردات وتعزيز الصادرات غير التقليدية؛ والتنويع العميق لمصادر العملة الأجنبية من خلال اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر الطويل الأجل وبناء قاعدة تصدير قوية؛ ومعالجة الطلب الأساسي على الدولار نتيجة للفجوات الاقتصادية، مثل نقص الطاقة، والاعتماد على الواردات، وهروب رؤوس الأموال.

باختصار، كان عام 2025 بمثابة فصل عملي أظهر كيف يمكن للتدفقات النقدية المؤقتة والسياسات النقدية الذكية أن تعمل على تهدئة الضغوط وتأخير ارتفاعات الأسعار.

ومع ذلك، فإن تحقيق الاستقرار الدائم يعتمد على إجراء إصلاح شامل للاقتصاد الحقيقي.

ونظراً لسياسة سعر الصرف غير المعلنة التي ينتهجها البنك المركزي، والتي تدور حول فلسفة “الربط المرن”، فقد أصبح إنشاء مؤشر رسمي لتحديد النطاق السعري للدولار أمراً بالغ الأهمية. ومن شأن هذا المؤشر أن يوفر إطارا واضحا للسوق، ويحد من التقلبات المؤقتة، ويزيد من شفافية التوقعات المستقبلية.

وفي غياب هذا المؤشر والإصلاح العميق الجذور فإن أي استقرار سوف يظل هشاً، وسوف يظل النمط التاريخي من “القفزات التصحيحية” هو العامل الحاسم في مسار العملة في الأمد البعيد.

السيرة الذاتية للمؤلف:

مدحت نافع هو خبير اقتصادي ورجل أعمال ذو خبرة.

شغل منصب نائب وزير التموين والتجارة الداخلية في مصر، ويشغل حاليًا منصب رئيس مجلس إدارة شركة السبائك العربية، ويحمل درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة القاهرة.

Author

  • Ali Hussain

    Ali Hussain is an award-winning news reporter with over a decade of experience covering breaking news, politics, and human-interest stories. Known for insightful reporting and engaging storytelling, Ali has worked for both national networks and local news stations, earning recognition for integrity and in-depth investigative journalism. Passionate about informing the public, Ali thrives on delivering clear, impactful news coverage that resonates with diverse audiences.

More From Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *