egyptian mummy

مأساة تجارة الورق المومياء..

يكاد يكون من المستحيل تحديد العدد الهائل من المومياوات المصدرة إلى أوروبا من العصور الوسطى حتى منتصف القرن التاسع عشر.

ومع ذلك، تؤكد التقديرات التي تصل إلى الملايين أن تجارة المومياوات ازدهرت في جميع أنحاء أوروبا لعدة أسباب، بسبب وفرة المومياوات وانخفاض تكلفتها.

علاوة على ذلك، كان هناك طلب مستمر على استخدامها في مختلف الصناعات والتطبيقات، وخاصة الطب.

وهذا أمر محزن للغاية: فنحن نتحدث عن استغلال بقايا أجدادنا كمجرد سلع للبيع والشراء والتصدير.

حدث هذا في وقت كان فيه المصريون منفصلين إلى حد كبير عن تاريخهم، وغالبًا ما كانوا يعتقدون أنهم لا يشتركون في أي نسب مع أولئك الذين قاموا بتحنيط موتاهم قبل آلاف السنين.

تُظهر الصور الفوتوغرافية المؤرشفة بالأبيض والأسود بائعي المومياوات في الشوارع والأسواق. إحدى الصور الشهيرة تصور صبيًا صغيرًا جالسًا على الأرض ويعرض المومياوات للبيع؛ لقد دعمهم منتصبين على جدار من الطوب اللبن، وانتهكت حرمتهم ونزعت أكفانهم.

وهذا يوثق بوضوح المأساة التي حلت بملايين المومياوات المصرية.

“فيليكس بونفيس، Momies Egyptiennes (المومياوات المصرية)، ج. 1870، طباعة زلالية من الكولوديون السلبي، الإجمالي: 27.8 × 21.8 سم (10 15/16 × 8 9/16 بوصة)، هدية جويس وروبرت ب. مينشيل، 2004.35.1‘

تبدأ تجارة المومياء عادة ببسط الضمادات وتجريد الجثث المحنطة من قبل الزبالين والتجار. وكان الدافع وراء ذلك هو البحث عن التمائم والمجوهرات المدفونة داخل البياضات أو التي يرتديها المتوفى مباشرة، مثل القلائد والأساور والخواتم المصنوعة من الذهب، وكذلك الأحجار الكريمة وشبه الكريمة.

أما الأغلفة الكتانية فكانت تباع أو تصدر إلى أوروبا على شكل “خرق” تستخدم في إنتاج نوع معين من الورق البني. ولم تقتصر هذه التجارة على بياضات المومياء؛ كما تم بيع بقايا القطن والكتان من صناعة النسيج لنفس الغرض الصناعي.

علاوة على ذلك، تم تداول المومياوات نفسها في تطبيقات متنوعة: إما معالجتها لاستخلاص الزيوت لاستخدامها في كريمات التجميل ومرطبات البشرة، أو طحنها إلى مسحوق.

تم البحث عن “مسحوق المومياء” هذا في العديد من العلاجات الطبية، خاصة بالنسبة للأمراض الجلدية والأمراض التناسلية والعقم.

وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، ظهر نقص حاد في المواد الخام لصناعة الورق في الولايات المتحدة، مما هدد بإيقاف مصانع الورق. وتفاقمت هذه الأزمة بعد أن أوقفت إيطاليا تصدير خرق القطن والكتان التي كانت ضرورية لهذه الصناعة في ذلك الوقت.

يقال إن رجل أعمال يدعى أشعيا ديريك اقترح استيراد أغلفة المومياء من مصر كبديل عملي لهذه الخرق.

ووفقًا لحساباته، فإن الاعتماد على بياضات المومياء يمكن أن يحافظ على هذه الصناعة لأكثر من عقد من الزمن، خاصة وأن رطلًا من هذه الأغلفة كان يباع مقابل سنتان فقط.

ونتيجة لذلك، ازدهرت تجارة بياضات المومياء بين مصر وأمريكا، سواء من خلال القنوات المباشرة أو عبر وسطاء إنجليز، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان، ففي مصنع للورق البني الشهير في ولاية ماين متخصص في تغليف المواد الغذائية، صُدم صاحب المصنع عندما اكتشف أن جميع العمال الذين يتعاملون مع البياضات المصرية المستوردة أصيبوا بالكوليرا.

وارتبط تفشي المرض في المدينة على الفور بتغليف المومياء، مما أدى إلى صدور مرسوم عاجل بمنع استيراد المومياوات وبياضاتها من مصر، وكذلك حظر استخدامها في إنتاج ورق تغليف المواد الغذائية.

ومن اللافت للنظر أنه في حين تشير الروايات الشعبية وروايات شهود العيان إلى أن هذا الحادث وقع خلال الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، تشير الوثائق التاريخية إلى أن موجة الكوليرا الهائلة في الولايات المتحدة حدثت بالفعل بين عامي 1852 و1861.

ويثير هذا التناقض التساؤل حول ما إذا كان هذا مجرد خطأ زمني، أم أن صحة القصة نفسها مفتوحة للنقاش؟

في حين أن وجود تجارة تغليف المومياء واستخدامها في صناعة الورق يعد حقيقة تاريخية ثابتة، إلا أن ما يظل مثيرًا للجدل من الناحية العلمية هو ما إذا كانت هذه البياضات القديمة كانت تؤوي مسببات أمراض الكوليرا النشطة لآلاف السنين. والأرجح أن تكون الأغلفة قد تلوثت بواسطة أشخاص مصابين في الموانئ المصرية أو الأمريكية قبل وقت قصير من وصولها إلى المطاحن.

في ذلك الوقت، كان يُعتقد على نطاق واسع أن الكوليرا تنتقل عبر الهواء؛ ولم يكن المجتمع الطبي قد اكتشف بعد ارتباطه المباشر بالنظافة الشخصية ونقص أنظمة الصرف الصحي المتقدمة، والتي كانت غائبة في كل من مصر والولايات المتحدة خلال تلك الحقبة.

تكمن الأهمية الحقيقية لهذه الرواية في كيف أن الارتباط الملحوظ بين المومياوات المصرية وتفشي الكوليرا الأمريكية قد غرس شعورًا بالرهبة – وحتى الرعب – داخل النفس الأمريكية.

تم إحياء هذا الانبهار بـ “المروع” لاحقًا بعد اكتشاف هوارد كارتر عام 1922 لمقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك.

وقد استغلت هوليوود هذا الأمر، وعززت صورة المومياء باعتبارها وعاءً لللعنات القديمة؛ ومع ذلك، خلق هذا التصوير مفارقة غير متوقعة. وبدلاً من تنفير عامة الناس، أدى ذلك إلى تغذية هوس عالمي بعلم المصريات، وألهم العديد من الذين ازدهروا على جاذبية المجهول.

لكن وراء الاستعارات السينمائية، تكمن الحقيقة المؤلمة لما تم محوه نهائيًا من التاريخ المصري.

لقد تركت قرون من النهب المنهجي، والتي بلغت ذروتها خلال العصور الوسطى، فجوات لا يمكن إصلاحها في تراثنا. وفي حين أن حجم هذا النهب قد تضاءل بالتأكيد في العصر الحديث، إلا أن الخسارة لا تزال قائمة.

لا يمكننا إلا أن نحاول إعادة بناء هذه الفصول المفقودة من حضارتنا من خلال الأدلة المجزأة والاستدلال الأثري؛ في الواقع، فإن استعادة ما فقدناه هو أمر مستحيل بشكل مأساوي.

Author

  • Ali Hussain

    Ali Hussain is an award-winning news reporter with over a decade of experience covering breaking news, politics, and human-interest stories. Known for insightful reporting and engaging storytelling, Ali has worked for both national networks and local news stations, earning recognition for integrity and in-depth investigative journalism. Passionate about informing the public, Ali thrives on delivering clear, impactful news coverage that resonates with diverse audiences.

More From Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *