sound speaker radio microphone

هل تفقد مصر صوتها الثقافي؟ –

هناك نوع من التآكل الذي لا صوت له، ولا يترك وراءه ركاماً، لكن تأثيره أعمق من أي ضربة جسدية.

إنه استنزاف بطيء، وليد العادة والتحول التدريجي في الذوق واللغة والصور – ويستهدف على وجه التحديد “المركبة الثقافية” التي كان لمصر صدى تاريخيًا داخل الوعي العربي الجماعي.

لم تكن مصر قط مجرد منتج للمحتوى؛ لقد كانت لغة عامية مشتركة، وإيقاعًا متميزًا، ومخططًا للمشاعر العامة.

عندما يتم تفكيك هذه المركبة بهدوء، فإننا لا نفقد ببساطة برنامجًا أو سلسلة؛ نحن نفقد القناة نفسها التي جعلت وجودنا عضويًا وسهلاً. وفي غيابها تتبدد قوتنا الناعمة، وينقطع تأثيرنا التاريخي فعليا.

لعقود من الزمن، كانت هناك ظاهرة إقليمية فريدة من نوعها: حيث كانت اللهجة المصرية بمثابة جسر لغوي يمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج. لم يتم التعامل معها أبدًا على أنها مجرد لغة عامة محلية، بل باعتبارها بوابة عاطفية تعزز الشعور البديهي بالألفة.

فالطفل العربي يمتص إيقاع الحوار المصري، ويرتبط بشخصية ما، ويكبر وهو يحمل «الجوهر المصري» الذي لا يحتاج إلى ترجمة. وهذا أصل استراتيجي هائل، وهو علاقة حميمة لا يمكن شراؤها بميزانيات الدولة، ولا يمكن فرضها من خلال المعاهدات الدبلوماسية.

إن المظهر الأكثر خطورة لهذا التراجع يتجذر في مرحلة الطفولة. الدبلجة ليست مجرد تفاصيل فنية؛ إنه المختبر الذي تتشكل فيه الألفة الثقافية.

الأطفال لا يقومون بتحليل الثقافة، بل يمتصونها.

عندما يبتعد وسيط الدبلجة اللغوي عن اللغة المصرية، تتغير أسس الذاكرة السمعية لجيل كامل. والنتيجة هي الإزاحة الهادئة لهذه “المركبة المصرية” من خيال الطفولة، مما يخفف من الانغماس المبكر الذي كان يضمن ذات يوم حضور مصر الدائم في العقل العربي.

ويتكرر هذا النمط في عالم الدراما. لم يكن النجاح الساحق الذي حققته المسلسلات الدرامية التركية انتصارًا للسرد وحده، بل للوسيلة اللغوية التي زرعت إحساسًا جديدًا بالحميمية.

ومن خلال الاستفادة من اللهجة الشامية، كانت الدبلجة بمثابة جسر إقليمي، مما أعطى المنتج الأجنبي روحًا عربية معاصرة. وفي هذا المشهد، لا تخسر مصر منافسًا مبدعًا فحسب؛ فهو يفقد مكانته باعتباره “طقوسًا يومية” في الأسرة العربية، التي كانت ترحب ذات يوم بالمساء بلغة مصرية مألوفة.

فالقوة الناعمة لا تعتمد على الحجم الهائل للإنتاج، بل على عمق العلاقة الحميمة المتراكمة داخل النفس الجماعية.

وفي الرياضة، نفس التآكل واضح.

فالمعلق ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو مهندس العاطفة والذاكرة.

ومع تحول مركز ثقل البث الإذاعي، فإن “صوت” المجال الرياضي العام يهاجر معه ــ حاملاً لهجته وإيقاعه ورمزيته الخاصة. وعندما يعتاد جيل جديد من العرب على موسيقى تصويرية رياضية لم تعد مصرية، فإن مصر تفقد شرياناً حيوياً من نفوذها.

وفي عالم تلاوة القرآن الكريم، فإن الدلالات أعمق بكثير. لم تكن المدرسة المصرية أبدًا مجرد مسألة جودة صوتية؛ لقد مثلت درسًا رائعًا في الأداء الصوتي – اعتدال روحي وجمالي عزز علاقة متوازنة ودقيقة مع الإيمان.

ومع تراجع هذه المدرسة عن المجال العام، ونزوحها بإيقاعات بديلة يغذيها التشبع المستمر للمنصات الرقمية والتمويل الخارجي، بدأت الحساسيات الدينية نفسها في التحول.

ونتيجة لذلك فإن واحداً من أهم خزانات القوة الناعمة في مصر ـ وهو نقطة مرجعية هادئة وموثوقة قادرة على إحداث صدى رمزي واسع النطاق ـ يجري تفريغه. وفي هذا الصدد، تعتبر المبادرات مثل برنامج دولة التلوال مهمة، ولكن يجب دمجها في استراتيجية وطنية أكثر شمولاً.

واليوم، تجاوز هذا التعدي الوسائط ليستهدف أيقونات وأعمدة وعينا الجماعي ذاتها. يتم تجريد هذه الشخصيات من جوهرها وإعادة توظيفها في روايات سطحية، يمليها المنطق التجاري لرأس المال والوصول الرقمي بدلاً من الجدارة الجوهرية للموهبة أو القيمة الثقافية.

قد يخطئ المرء بسهولة في الاعتقاد بأن هذه التحولات هي تطور طبيعي للتنوع الثقافي. ومع ذلك، فإنها تكشف عن نفسها بدلاً من ذلك باعتبارها تآكلًا عندما تتحول إلى إزاحة نظامية للوسيط الذي كان يمنح الأولوية في السابق. ويحدث هذا الاستنزاف عندما يتضاءل حضور مصر في روايات الطفولة، والطقوس اليومية، والحياة الروحية، حتى نستيقظ في النهاية لنجد مصر قد هبطت إلى مكانة الآثار التاريخية – حيث يتم تكريمها باعتبارها من بقايا الماضي بدلاً من تجربتها كواقع معاصر نابض بالحياة.

إن الطفل الذي ينشأ على اللغة العامية المصرية يكبر وهو يتمتع بعلاقة فطرية ــ شكل من أشكال رأس المال الرمزي الذي ينضج إلى التعاطف الدبلوماسي، والاحترام، والاستعداد للشراكة. وعندما تنقطع سلسلة الأجيال هذه فإن القوة الناعمة لا تتضاءل فحسب؛ بل إنها تفقد قدرتها على إدامة ذاتها.

إن مصر ليست مطالبة اليوم باللجوء إلى صخب يائس لجذب الانتباه، ولا إلى الانخراط في تنافر المنافسات على المنصات الرقمية، ولا إلى التلويح بتاريخها كدرع.

إن المطلوب أكثر أهمية بكثير: صحوة عميقة. وعلينا أن ندرك أن ما يتم تجريده ليس مجرد مشهد أو مسلسل أو لهجة أو رمز، بل موقفنا الطبيعي كمحاور ثقافي للروح العربية.

إن الأمم لا تنهار بالهزيمة العسكرية وحدها؛ إنهم يسقطون عندما يتوقفون عن أن يكونوا “مألوفين”. إن فقدان صوت المرء في طفولة الآخرين يعني خسارة أي حق في القيادة في المستقبل. وهذه ليست مناوشة ثقافية بالمعنى الضيق؛ إنه صراع من أجل الأهمية الوجودية.

وأولئك الذين يدركون ذلك بعد فوات الأوان قد يجدون أنفسهم لا يزالون صامدين، لكنهم لم يعودوا حاضرين.

سيرة المؤلف

رامي جمال كاتب عمود وباحث ومتخصص في السياسة الثقافية.

Author

  • Ali Hussain

    Ali Hussain is an award-winning news reporter with over a decade of experience covering breaking news, politics, and human-interest stories. Known for insightful reporting and engaging storytelling, Ali has worked for both national networks and local news stations, earning recognition for integrity and in-depth investigative journalism. Passionate about informing the public, Ali thrives on delivering clear, impactful news coverage that resonates with diverse audiences.

More From Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *